"غير لائق".. تنهي آمال مبدعين من ذوي الإعاقة

تحقيق هُنا القدس |  أحمد خضر يوسف و محمد سامي التلاحمة

لم تتوقع هناء مرة (25 عامًا)، أن تجد نفسها "فرجة" لأساتذة إحدى مدارس وزارة التربية والتعليم، خلال تقديمها اختبار قبولها كمعلمة لمادة اللغة الإنجليزية عام 2014، لمجرد أنها مصابة بإعاقة بصرية جزئية.

هناء الحاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية عام 2012، لم تُقبل في ديوان الرئاسة عند تقدمها إليه فور تخرجها، لكنها تمسكت بأمل الحصول على وظيفة معلمة رغم إصابتها بإعاقة بصرية بنسبة 70%، فتقدمت لاختبار التربية العام الماضي، لكنها فوجئت لدى وصولها إلى المدرسة بعدم وجود أي ترتيبات لإجراء الامتحان لها كحالة خاصة.

وتوضح هناء، أن الإدارة خصصت لها إحدى المكاتب لإجراء الامتحان، واختارت أول الأمر أساتذة علوم لإجراء الامتحان أول الأمر، ثم خصصت لها أستاذ لغة إنجليزية كان يقرأ الأسئلة بسرعة كبيرة، فيما دخل المكتب خلال الامتحان أكثر من أستاذ لإلقاء نظرة عليها ثم ذهب، مؤكدة أن هذه الظروف منعتها من السؤال عن نتيجتها أو التقدم لوزارة التربية في العام الجاري.

هذه الحكاية لا تختلف كثيرًا عن حكاية سامح صوالحة (25 عامًا)، خريج اللغة العربية من جامعة النجاح عام 2012، الذي تقدم لاختبار وزارة التربية وحصل على المركز الثاني بدرجة 76 على مستوى محافظة نابلس، رغم إصابته بإعاقة بصرية كاملة، لكن الوزارة أجرت له ثلاثة اختبارات أخرى من لجان مختلفة في المحافظة وفي مقر الوزارة برام الله، انتهت برفض تعيينه لأنه "غير لائق".

ويقول صوالحة، إنه تعرض خلال إحدى المقابلات "لأسئلة استفزازية" كونه كفيف، وعن قدرته على التدريس واستخدام السبورة، مضيفًا، أنه طلب استخدام "البروجكتر" بدلاً منها لقدرته العالية على استخدام الحاسوب، إلا أن الوزارة تعللت بعدم وجود هذا الجهاز في كثير من المدارس، وأبلغته بأن لا يتأمل كثيرًا، لأنه لن يُقبل في الوزارة.

حالة ثالثة في وزارة التربية والتعليم أيضًا، ولكن في قلقيلية هذه المرة، المحروم من الوظيفة مصاب بإعاقة بصرية كاملة، وهو وائل جمعة عمران (23 عامًا) الحاصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية عام 2013، وقد تقدم في العام الماضي لاختبار التربية وحصل على المركز الثاني على محافظة قلقيلية.

ويقول عمران، إنه طُلب بعد الاختبار لمقابلة في رام الله، لكنه علم لاحقًا من إحدى موظفات التربية بأن اسمه غير وارد في قائمة نتائج الاختبار رغم إبلاغه سابقًا بحصوله على المركز الثاني، مبينًا، أنه أبلغ بعد ذلك من مديرية قلقيلية بتعيينه كمدرس بديل للصف العاشر والحادي عشر في المدرسة السعيدية بالمحافظة.

ويبين عمران، أنه توجه إلى المدرسة لاستلام وظيفته في الموعد المقرر، إلا أن مدير المدرسة رفض استقباله بسبب إعاقته، واتصل بوزارة التربية التي أبلغته بعد ساعة بإرسال معلم آخر، لأن عمران "غير لائق" بسبب إعاقته، موضحًا، أنه طلب من الوزارة الحصول على ورقة رسمية توضح وصفه بـ "غير لائق" إلا أنها رفضت، ليقرر التوجه إلى القضاء، ورفع دعوى على وزارة التربية وديوان شؤون الموظفين، في قضية هي الأولى من نوعها بالضفة، وسيتم عقد أولى جلساتها بتاريخ 30/أيار الجاري.

هذه الحالات هي مجرد نماذج مختلفة، لمختلف الانتهاكات التي تحدث عنها خريجون من ذوي الإعاقة لاتحاد الأشخاص ذوي الإعاقة في فلسطين، وقد بدا الظلم في هذه الحالات وغيرها واقعًا من طرف وزارة التربية، مادفعنا للتوجه إلى الوزارة بحثًا عن إجابة شافية حول هذه المشاكل.

أول الأمر أبدت الوزارة استعدادها لإجراء مقابلة حول هذه الحالات تحديدًا، وحول تطبيق الوزارة لقانون الخدمة المدنية وقانون العمل اللذان يقضيان بتشغيل 5% كحد أدنى من ذوي الإعاقة في كل مؤسسة، وقد كلفت الوزيرة خولة الشخشير وكيل الوزارة مصطفى عودة بالرد علينا في حوار خاص، وسلمتنا كتابًا رسميًا بذلك.

لكن وبعد يومين التكليف اتصلنا بالوكيل مصطفى عودة، ليأتي الرد بأن الوزيرة لا ترغب بالحديث في الأمر، وأنه سيعود لمفاتحتها في هذه القضية لاحقًا، إلا أن كافة اتصالاتنا بعد ذلك بعودة والدائرة الإعلامية في الوزارة لم تلق أي إجابة.

هذه القضية على أي حال، هي جزء من مشكلة عامة تتعلق بعدم تنفيذ الحكومة لقانون الخدمة المدنية، فيؤكد الاتحاد العام للأشخاص ذوي الإعاقة على لسان الناطق باسم فرعه في نابلس سامر عقروق، أن الحكومة مازالت غير ملتزمة بهذا القانون، وأن الرد بـ "غير لائق" جاء شفهيًا في عشرات الحالات من مختلف الوزارات، مبينًا، أن كافة الوزارات ترفض تسليم أي أوراق رسمية تتضمن هذا الوصف "المهين" بحق مواطنين فلسطينيين، وفق تعبيره.

ويوضح عقروق، أن السلطة وقعت مؤخرًا على اتفاقيات دولية متعلقة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ما يلزمها بتقديم تقارير موثقة وعلمية تظهر التزامها بما تضمنته هذه الاتفاقيات، مبينًا، أن السلطة الفلسطينية لا تملك أي تقارير تراكمية متعلقة بهذه القضايا منذ سنوات، ما يعني أنها ستكون عاجزة عن توضيح إنجازاتها كما هو مطلوب.

ويضيف عقروق، أن كثيرًا من الشكاوى المقدمة للاتحاد، كانت من أشخاص تم تعيينهم بالفعل في مختلف الوزارات ولكن بشروط لا تناسب حالاتهم، وتابع، "مثلاً يتم تعيين شخص معاق حركيًا في الطابق الثالث وقد يتعطل المصعد لأيام فلا يجد من يوصله إلى مكتبه".

ونقل عقروق شكوى تلقاها الاتحاد من موظف معاق بصريًا قال إنه سمع مديره يسأل موظفيه، "ماذا سأفعل بهذا الموظف؟ هو أنا ناقصني مصايب؟".

توجهنا إلى ديوان شؤون الموظفين العام وقابلنا رئيسه موسى أبوزيد، الذي رد نافيًا بشدة كافة الادعاءات بإهانات تلقاها موظفون في أماكن عملهم، مؤكدًا، أن الديوان لم يتلق أي شكوى من أي جهة تشير لمثل هذه الحالات، ومشيرًا إلى وجود موظفة تعاني من إعاقة حركية في ديوان الموظفين، وقد تم تعيينها في مكتب بالطابق الأرضي، وتخصيص موقف خاص لها بجوار مركبة أبو زيد ذاته.

ويوضح أبوزيد، أن الديوان احتجز خلال السنوات الثلاث الأخيرة إحداثيات 5% من الوزارات التي استحقت هذه النسبة، مبينًا، أن نسبة التشغيل في العام 2012 بلغت 5.1%، فيما بلغت النسبة 5.3% في العام 2013، وبلغت 5.7% في العام 2014.

وبالنظر إلى الوثائق التي قدمها أبوزيد تبين أن أغلب الذين تم تشغيلهم يعانون من إعاقات حركية تحديدًا، وهو ما أكده اتحاد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين قال إن نسبة المعاقين حركيًا العاملين في الوظائف الحكومية، بلغت 78% من أصل كافة العاملين.

وردًا على ذلك، قال أبوزيد إن التشغيل هنا يكون مبنيًا على القدرات والإمكانيات الفردية والعلمية لكل شخص، ولا يؤخذ في الاعتبار نوع الإعاقة التي يعاني منها الشخص المتقدم، مشيرًا إلى أن القانون نفسه لم يحدد أنواع الإعاقات التي يجب تشغيلها أو أي نسبة لذلك.

وحول نسبة الموظفين في كل وزارة، قال أبوزيد إن بعض الوزارات كانت تحصل على أربع وظائف أو خمس فقط، ما يجعل الالتزام بالقانون في هذه الحالة غير ممكن، لعدم إمكانية إخراج نسبة 5% من العدد المطلوب، وهو ما جعل توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة يتركز على وزارتي الصحة والتعليم.

وفي الواقع فإن هذا الأسلوب يشكل مخالفة لنص القانون والتفافًا عليه، وفقًا لسامر عقروق الذي قال إن القانون ينص على وجود موظفين ذوي إعاقة بنسبة 5% من العدد الإجمالي لكل وزارة، وليس من نسبة التشغيل في كل عام، ما يعني أن وزارة التربية التي تضم 33.400 موظف يجب أن تلتزم بتشغيل 1670 شخصًا، وهو ما ينطبق على بقية الوزارات مع اختلاف الأعداد.

ويؤكد تقرير أعدته الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عام 2013، أن نسبة تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة في المؤسسات الحكومية لا تتعدى 3% فقط، بناء على أوراق العمل التي قدمتها المتخصصين في هذه القضية في الدوائر الحكومية.

وأكد عقروق أن كثيرًا من الأشخاص الذين يعانون من إعاقات حركية، تم توظيفهم بسبب كفائتهم العالية وليس لأنهم من ذوي الأعاقة، مشيرًا، إلى أن الاتحاد خاطب رئيسي الوزراء السابق سلام فياض والحالي رامي الحمدلله، إلا أنه لم يتلق أي رد حول هذه القضية.

ويشير تقرير الهيئة المستقلة إلى أن الأشخاص ذوو الإعاقات السمعية والبصرية يعانون من صعوبات كبيرة في دخول سوق العمل، بعدم توفر أدوات عمل مناسبة وأدوات مساعدة لهم في العمل، مبينًا، أن الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية ياعنون من عدم تفهم الآخرين للغة الإشارة، وهذه أكبر المعيقات التي يتعرضون لها.

كما أظهرت نتائج الدراسة المذكورة أن من أسباب عدم التحاق الأشخاص ذوي الإعاقة بسوق العمل صعوبة استخدام وسائل النقل للوصول إلى أماكن العمل، بالإضافة إلى النظرة السلبية النمطية تجاه تشغيلهم من قبل المجتمع، وانتشار المجسوبية على نطاق واسع خاصة في العمل الحكومي.

وتساءل عقروق، عن تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة خلال السنوات الواقعة بين سنة إقرار القانون عام 1999، وسنة 2012 التي تحدث عنها ديوان شؤون الموظفين في الوثائق المذكورة، مبينًا، أن الجهود التي قام بها أبوزيد ورغم مخالفتها لنص القانون إلا أنها تستحق الذكر والشكر، لكن المطلوب هو مأسسة العمل بحيث يلتزم بهذا النظام كل شخص يتولى منصب رئاسة ديوان الموظفين بعد أبوزيد، حتى لا ينتهي الأمر برحيله عن هذا المنصب.

الأحد | 02/08/2015 - 11:05 صباحاً